لحظات موجعة وزفرات مؤلمة بأنفاس تخرج من المؤمنين كحرارة الصيف اللاهب وهي تصور قضية يرتجف لها القلب وتدمع منها العين ويرتعد فيها القلم حزنا وألما حين يكتبُ قصة وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحقٍ إنها مصيبة كبيرة أصابت المسلمين ولعلنا حين نستعرض في آيات الله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ثم نعرض هذه الآيات على الواقع الذي عاشه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأيام الأخيرة من حياته وهو يخاطب أمته قائلا إن عبدا خيره الله تعالى بين زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله فضج الناس بالبكاء واعتبروه وداع المحب لأحبابه وقالوا له فديناك بآبائنا يا رسول الله فديناك بأمهاتنا يا رسول الله فديناك بأولادنا يا رسول الله فديناك بأزواجنا يا رسول الله فديناك بأموالنا يا رسول الله ثم يزداد الوجع به ليقول لزوجته عائشة (رضي الله عنها) (بل أنا ورأساه) وتعصب رأسه ثم يخرج إلى شهداء احد وكأنه يودعهم ويخرج لأهل البقيع وكأنه يُلقي السلام الأخير عليهم وقبل ذلك يودع أمته في خطبة الوداع وهو يقول(أيّهَا النّاس، اسْمَعُوا منّي أُبّينْ لَكُمْ، فَإنّيَ لاَ أَدْرِي، لعَليّ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامي هَذَا، في مَوْقِفي هذا، أَيُهَا النَّاس، إنّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَليكُمْ حَرَامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِ كُمْ هَذَا في بَلَدِكُم هَذَا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها، وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون أيها الناس ، إن لِنسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حقاً، ولَكُمْ عَلَيْهِنّ حقّ،فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي ، أَيهَا النّاسُ، إنّما المُؤمِنُونَ إخْوةٌ ، فَلاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ، أَلاَ هَلْ بلّغْتُ، اللّهُم اشْهَدْ، فلا تَرْجِعُنّ بَعْدِي كُفاراً يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رقابَ بَعْض ، أَلاَ هَلْ بلّغتُ، اللّهمّ اشْهَدْ. أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ، أَلاَ هَلْ بلَّغْتُ، اللّهُمّ اشهد" قَالُوا: نَعَمْ قَال: فلْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ) كلمات يُودع بها أمته ليختصر لهم دعوته ومنهجه ودينه الذي ارتضاه رب العالمين للخلق أجمعين فابتدأ الكلمة بحرمة الدماء لأن أول ما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة الدماء ولهذا قال (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فأين هؤلاء الذين يتشدقون بالإسلام اليوم ويقتلون الناس بدم بارد بل يستهدفون المسلمين بمساجدهم ودور عبادتهم وفي أثناء تأديتهم طقوسهم الدينية كما حدث أخيرا في خطوة الإمام علي في البصرة مع زوار الإمام الحسين والبطحاء والحلة وأماكن أخرى من العراق ألم يقرؤا قول الله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) لكنّ هؤلاء لا يفهمون دين الله ولا يُدركون معانيه فقد تحجرت عقولهم وأغُلقت قلوبهم وعُميت أعينهم وتوقفت مداركهم فلا ينظرون إلا باطلا ولا يعملون إلا منكرا فهم كالأنعام بل هم أضل فتبا لهم ولكل من يتعرض لدماء الناس الأبرياء بلا حق نعم هذه هي الكلمات التي ختم بها رسول الله حياته وودع أمته لكن كثيرا من الناس لا يفقهون مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذه الكلمات مات رسول الله وعينه تنظر إلى الزهراء فاطمة وولديها الحسن والحسين حيث تدخل عليه الزهراء بضعة رسول الله وحبيبة قلبه وثمرة فؤاده تزوره في بيته وهي تحمل همها وحزنها وقد كان قبل ذلك يبرها غاية البر والإحسان فإذا أقبلت قام إلى الباب فقبل جبينها ثم أخذها وأجلسها مكانه وإذا زارها هو في بيتها قامت فقبلت جبينه وأجلسته في مكانها ولكنها في هذه الزيارة الأخيرة ما استطاع أن يقوم لها فنظرت إليه ونظر إليها ومابين النظرتين كلام يملأ الخافقين لكنهما لم يتكلما لكن التاريخ سرد مصابهما بأحرف الحزن والدموع فبكى وبكت فهي سيدة نساء العالمين وقد نظرت إلى أبيها وهو يعتصر من ثقل الحمى التي ألمت به فقالت واكرباه واكرباه يا أبتاه فقال لا كرب على أبيك يا فاطمة بعد اليوم ولا أقول هنا أن صفحة رسول الله قد طُويت بل أنها الصفحة التي ستبقى مفتوحة ما بقي الزمان كي يقرؤا الناس ما فيها ويستفيدوا من نبع وروعة ما حوت تلك الصفحة النبوية الطاهرة التي نحن اليوم بحاجة أن نتعلم من رسول الله وسيرته العطرة درسا نرسم فيه طريقنا الذي سوف نصل به إلى الله تعالى فسلام الله عليك يا سيدي يا رسول الله نشهد انك بلغت الرسالة وأديت الأمانة وجاهدت بالله حق جهاده حتى أتاك اليقين.
الشيخ د.خالد عبد الوهاب الملا
رئيس جماعة علماء العراق
كتبت بتاريخ الخميس، 25 صفر، 1433،19/01/2012 07:20:39 م