الإمام موسى الصدرأمة في رجل
خليل اسماعيل رمّال
الحديث عن سماحة الإمام السيد موسى الصدر يطول ولا ينضب بحيث نحار من أين نبدأ. هل ندخل في مسيرته المتنورة منذ أن بدأ رحلة الفكروالعلم وإستشراف المستقبل؟ أم نلج في بحرقيادته وريادته السياسية والثقافية والجهادية؟ أم نغوص في لجة ثورته البيضاء التغييرية الإنمائية الفكرية الشاملة؟
نبدأ من حيث قررسماحة الإمام الهجرة من بلده بالتبني، إيران، إلى بلد آبائه وأجداده لبنان، ذلك أنه ينحدرمن عائلة طاهرة شريفة أصلها من منطقة شحور- معركة في أرض ابي ذر الغفاري الجليل في جبل عامل الأشم. فقد ودع سماحته والدته الكريمة وعينيها مغرورقتان بالدموع على فراق الحبيب لكنها في قرارة نفسها كانت مطمئنة إلى أن الإمام لم يكن ملك عائلته فحسب، بل كان ملكاً للأمة جمعاء وكان دوره أكبرمن قدره وبالتالي لم يكن الحيز الزمني والمكاني ليحد من إمكاناته. هاجر، سماحته، إلى الله سبحانه وتعالى فحمل إيمانه الوضاح في حقيبة الجسد ويمم شطرعصرموسى الصدروحقبة النضال والجهاد الأكبر.
لقد تمكن سماحة الإمام الصدرفي مدة زمنية قصيرة جداً، من إحداث إنقلابٍ هائل في المفاهيم الدينية والسياسية والإجتماعية والفكرية والإقتصادية فرفع شعبه ووطنه إلى أعلى مصاف. الإنجاز الإستراتيجي الأول الذي حققه الإمام الصدرهوأن جعل لبنان وطناً نهائياً للطائفة الشيعية التي عانت عبرالتاريخ من الإضطهاد والتعسف منذأن قضى صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية فنكل بأبناء مدرسة أهل البيت تنكيلاً دموياً مع أنه كان رحيماً ورفيقاً بالصليبيين الغزاة، ثم جاء عهد المماليك الظالم وبني عثمان وخلالهما يوسف باشا الجزار وبشير الشهابي الطاغية الظالم، إلى نهاية الإنتداب الفرنسي البغيض.
وحتى بعد تكوين "شبه الوطن" كانت الطائفة الشيعية مع باقي الطوائف المسيحية في الجنوب والشمال، مهمشة لأن تاريخ لبنان كان فقط يتمحورحول جبل لبنان والوسط من دون الأطراف. ثم جاء "ما يسمى" الميثاق الوطني الذي كان شراكة بين طرفين من دون باقي الفئات، على تقاسم الجبنة لوحدهما دون غيرهما. "أجاد" هذا الشعب ما اصابه من مجازروقتل وتهجير ديمغرافي وهو لو تبرأ من كهذا وطن جاحد (إلى يومنا هذا) لكان تبرؤه مفهوماً. إلا أن الإمام حمل شعبه على تخطي بحرالدماء والعذاب إلى تبوأ دورحمايته والدفاع عنه كوطن أبدي، في وقتٍ صنع زبانية الكيانية لبنان صنماً من تمروحين جاعوا أكلوه.
الإنجاز الثاني أن الإمام الصدرنشل لبنان، الذي أراده الإستعماركياناً عنصرياً يحاكي الكيان الجديد في فلسطين، إلى بلد حضاري تسوده صيغة التعايش والحواربين الأديان والثقافات لا صراع الأديان والحضارات. كما حول تعددية المذاهب والأديان من نقمة شهدناها في الحروب الدينية في أوروبا، إلى نعمة لا يراها إلا الأصحاء لا الذين نخرت عظامهم سوسة الطائفية السياسية.
الإنجازالثالث، هوأنه كان المؤسس لعصرالممانعة والمقاومة ضد كل ما يعيق تطورالأنسان وضد البغي والظلم والعدوان، بعد تقاعس النظام وجبنه. لقد كان الإمام الصدر نظيف الكف، فلم يكدس الأموال ولم يبن ممالك خاصة، بل كان ديدنه خدمة شعبه من كل الطوائف.
يستحق الإمام الصدرأن يستنفرالعالم لأجله وتؤلف محاكم دولية لمعرفة مصيره في ليبيا، لأنه من خلال إشراقة فكره الثاقب واستشرافه (وهو القائل إذا بقيت حرب لبنان سينهارالإتحاد السوفياتي) ومقاربته للأمورالدينية والدنيوية، وإجتهاده المبكرمنذ كان يبلغ ١٥عاماً وتنوره وإبداعه وعلمه، عمل على بناء البشرقبل الحجر وصنع المعجزات. لقد آمن أن أسرع طريق إلى الخالق هو خدمة المخلوق- الإنسان.
الإمام الصدرأمة في رجل، أعاده الله سالماً معافى إلى ساحة جهاده التي تفتقده كثيراً خصوصاً في هذه الأيام العصيبة.
Khalil Rammal